محمد أبو زهرة
115
المعجزة الكبرى القرآن
هو وأسلوبه بألفاظه ومعانيه إلى القلوب ليأخذها من طبعها الأرضي ليعلو بها إلى الأفق السماوي . ويذكر أبو عيسى الرماني فائدة التلاؤم فيقول : « والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبل النفس لمعناه ، لما يرد عليها من حسن الصورة ، وطريق الدلالة ، ومثل ذلك مثل قراءة الكتاب في أحسن ما يكون الخط والحرف ، وقراءته في أقبح ما يكون من الحرف والخط ، فذلك متفاوت في الصورة ، وإن كانت المعاني واحدة » . وإن الكلام يذاق كما يذاق الطعام ، فكلما كان التنسيق والتلاؤم حسن في الذوق . وإن لغتنا العربية لغة نطق ابتداء ، وصارت من بعد لغة كتابة ، ولم تنفصل عنها خاصتها ، فهي نطق وكتابة ، ولذلك كان لمخارج الحروف أثر في فصاحة الكلام ، ولا شك أن مخارج الحروف مختلفة منها ما يكون في أقصى الحلق ، ومنها ما هو من أدنى الفم ، ومنها ما هو في الوسط بينهما ، فالتلاؤم فيها بأن تكون الكلمة حروفها متقاربة المخارج ، والكلمات متقاربة المخارج ليسهل النطق على اللسان ، وتتقبله الأسماع . فإذا أضيف إلى ذلك التآخي في المعاني كان التلاؤم الكامل ، والأسلوب الرائع ، وذلك ما جاء في القرآن . 3 - تصريف البيان 71 - تختلف مناهج البلغاء كتابا وشعراء ، كل يجيد منهاجا معينا ويمتاز فيه ، ويكون من الأوساط في غيره أثر دون الأوساط ، فمنهم من يجيد الوصف ، ويحكى الأشياء لقارئه كأنه يراها ، ومنهم من يجيد القول الوعر العنيف ، ولا يكون منه السهل الميسر ، ومنهم من يجيد شعر الغزل ، ولا يجيد غيره ، ومنهم من يجيد القول الساخر ، ولا يجيد القول الجاد ، كما نرى في بعض كتاب العصر ، ومنهم من يجيد الكتابة في السياسة ، فإذا كتب في غيرها هان وابتذل ، ومنهم من يجيد الكتابة في التحليل وإثارة التأمل ، وهكذا ، وقل من يجيد الدخول إلى الكلام البليغ في أكثر من باب أو بابين ويكونان متآخيين ، غير متناقضين . أما القرآن المعجز الذي هو فوق قدرة البشر ، فإن البلاغة فين في كل أبواب القول ، وهي في كل باب تعلو علوا كبيرا عن المجيدين في هذا الباب وحده ، ولذلك كان تصريف القول فيه من تهديد وإنذار وتبشير ، وإثارة للتأمل ، ودعوة للتفكير في آيات